النظام الذي وجب إسقاطه: تحالف مافيا- ميليشيا

Written by Dr. Saleh El Machnouk

3.9
(90)

لبنان انهار. كيانًا ودولةً ومؤسَّساتٍ واقتصاد. وعند كلِّ انهيارٍ في دولةٍ من دول العالم، تزدهر النظريَّات الكبرى المُبسَّطة. في ألمانيا ما بعد الحرب العالميَّة الأولى، تمَّ إلقاء لوم الهزيمة على اليهود. في أميركيا اليوم، يُتَّهم شخص الرئيس ترامب بأنَّه مسبِّب الانقسام الحاد الذي أسقط هيبة النموذج. أمَّا في لبنان، تزدهر نظريَّة تقول بأنَّ السبب الرئيسي للمصيبة التي حلَّت بنا هو “النظام الطائفي”، وإنَّ الحلّ السحري يكون بإسقاط هذا النظام. البديل هو نظام مدني. نظام علماني. نظام لا طائفي. تسمياتٌ كثيرة بمعانٍ قليلة، يجتمع عليها عتاة اليسار القديم، المتحجِّر فكريًّا، والليبراليُّون الجدد، أسرى منظومة قيمهم الشخصيَّة، وأحزاب “الشيعيَّة السياسيَّة”، الساعية إلى ترجمةٍ موضوعيَّةٍ لقوَّة السلاح بصلاحياتٍ دستوريَّةٍ إضافيَّة. كما انضمَّ إليهم أخيرًا، النائب جبران باسيل، أعتى رموز التعبئة الطائفيَّة في لبنان، بدعوته إلى ضرورة بلورة نظامٍ سياسي جديد، قائم على “مدنيَّة” الدولة (ما عدا حرَّاس الأحراش، ضمانة ميثاق العيش المشترك!)

كلُّ هذه الطروحات، من وجهة نظرٍ علميَّة مطَّلعة على خصائص الدول التعدُّديَّة وأنظمتها التشاركيَّة، دليلٌ إمَّا على سذاجة أو على سوء نيَّة القائلين بها. فكما قال يومًا زياد الرحباني: “لتعمل ثورة عالنظام، لازم أوَّل شي يكون في نظام”.

الواقع أنَّ لا “نظام” في لبنان لنسقطه أصلًا – تشاركي أو غير ذلك – لأنَّ أيّ نظام سياسي هو عبارة عن مجموعة من الآليَّات والصلاحيَّات والمبادئ المتَّفق عليها وطنيًّا والمقرَّة دستوريًّا. ما يحكم لبنان هو تحالف المافيا والميليشيا (ميم-ميم) الذي يقوم على المعادلة التالية: تؤمِّن المافيا الغطاء السياسي لميليشيا حزب الله في مغامراتها العسكريَّة المخالفة للدستور والممتدَّة من لبنان إلى أميركيا اللاتينيَّة، مرورًا بالخليج وأفريقيا. في المقابل، تؤمِّن الميليشيا الحماية المسلَّحة لمنظومة المحاصصة والفساد، مانعةً أيَّ تغييرٍ سياسي، كالذي سعت إليه ثورة ١٧ تشرين. في هذه المعادلة، الدستور تفصيلٌ يتمُّ التلاعب به وفق أهواء ومصالح معادلة ميم-ميم، والتي تتبدَّل هي الأخرى حسب الظرف السياسي.

هل الدستور يقول بحكومات وحدةٍ وطنيَّة على النموذج السويسري (المقرّ عرفًا وفق “المعادلة السحريَّة”) أو بحكومات أكثريَّةٍ وأقليَّةٍ برلمانيَّة على نموذج وستمنستر البريطاني؟ إذا افترضنا حكومات وحدة، هل تحصل الأقليَّة البرلمانيَّة على الثلث المعطِّل، أم تُمثَّل وفق حجمها، أم تحصل على تمثيل رمزي؟ هل انتخاب رئيس للجمهوريَّة يتطلَّب توافقًا بثلثي مجلس النوَّاب، أم أنَّ النصف زائد واحد من عدد النواب يكفي لذلك؟ هل على الوزراء أن يكونوا “ممثِّلين أصليين” لطوائفهم، أم أنَّ بإمكان الأحزاب تعيين وزراء من كافَّة الطوائف؟ في أيِّ دولةٍ طبيعيَّة (منها التشاركيَّة)، هذه المسائل إمَّا محسومة دستوريًّا أو أنَّ المشرِّعين يلجؤون إلى المجلس الدستوري لاتِّخاذ القرار النهائي بشأنها. بذلك، يكون هناك “نظام” يمكن إسقاطه.

في لبنان، قرَّرت النسخة الأصليَّة للميليشيا، أيّ النظام السوري، وخلافًا لاتِّفاق الطائف، أنَّ الدستور يفسِّره النوَّاب (ظاهرة “المجلس سيِّد نفسه” فريدة من نوعها في العالم) لأنَّه استصعب فكرة التحكُّم بالقضاة، على عكس السياسيين اللبنانيين طبعًا. منذ أيَّام، اجتمع الرئيس عون بالمجلس الدستوري وطالبه باستعادة حقّ تفسير الدستور. ولوهلةٍ اعتقدنا أنَّ جايمس مادسون (كاتب الدستور الأميركي) قد ظهر بيننا بنسخته اللبنانيَّة. لكن سرعان ما اكتشفنا أنَّه سقط سهوًا عنه، سؤال المجلس عن رأيه “الدستوري” بإقفال مجلس النوَّاب سنتين لفرض انتخابه رئيسًا “ببندقيَّة المقاومة”، وعدنا سريعًا إلى حقيقة الأزمة في لبنان.

هذه الحقيقة تكمن في أنَّ النظام الحاكم ليس الدستور “الطائفي”، بل تحالف مافيا-ميليشيا، مع أفضليَّةٍ مطلقةٍ للميليشيا: حكومات وحدة عندما يخسر حزب الله الانتخابات، حكومات أكثريَّة عندما يتحكَّم بأغلبيَّة البرلمان. رئيس وزراء لا يمثِّل طائفته عندما يختاره هو (نجيب ميقاتي-حسَّان دياب)، بينما رئيس مجلس عليه أن يخرج من رحم بيئته (دائمًا وأبدًا نبيه برِّي). رئيس الجمهوريَّة عليه أن يكون “الأقوى مسيحيًّا”، إلَّا عندما يكون هذا الأقوى خصمًا للحزب. اللائحة تطول، ورئيس المجلس الدستوري الدائم حسن نصر الله. منذ العام ٢٠٠٥، ثماني أعوام من الفراغ الدستوري في مختلف المؤسَّسات. هذا هو “النظام” الذي يجب أن يسقط.

ليست كلُّ دساتير الدول التشاركيَّة بريئة من الأزمات السياسيَّة الوجوديَّة. ففي شمال إيرلندا، يقول النصّ الدستوري بأنَّ رئيس الحكومة ونائبه (هما عمليًّا متساويان بالصلاحيَّات) عليهما أن يكونا الأكثر تمثيلًا لطائفَتَيهما (بروتستانت وكاثوليك) في مجلس النوَّاب. ويقول الدستور أيضًّا أنَّ استقالة أيّ من الرئيسَين تؤدِّي حكمًا إلى إسقاط الحكومة، ما يعني بالممارسة أنَّ تشكيل الحكومة رهنٌ باتِّفاق الحزب الأكبر لدى الكاثوليك والأكبر لدى البروتستانت على برنامج الحكومة. تسبَّب الخلاف بين حزب “شين فيين” الجمهوري الموالي لإيرلندا، والحزب الوحدوي الديمقراطي التابع لبريطانيا على الاستعمال الرسمي للغة الإيرلنديَّة (التي لا تُستعمل في إيرلندا حتَّى) بتعطيل تشكيل الحكومة لأكثر من ألف يوم، كاسرةً البلاد بذلك الرقم القياسي العالمي. نادى الإصلاحيُّون بتعديلٍ دستوري يسمح بانتخاب غير ممثلي الحزبَين الأقوى لرئاسة الحكومة، وهو حلّ منطقيّ يسمح بفتح ثغرةٍ في “أزمة النظام” التي تعاني منها شمال إيرلندا. في لبنان، الدستور يفترض موافقة رئيس الجمهوريَّة على التشكيلة الحكوميَّة التي يعرضها رئيس الحكومة المكلَّف، لكنَّ روحيَّة النصّ لا تعطي رئيس الجمهوريَّة حقّ رفض التشكيلة، إلَّا على قاعدة مبدئيَّة تُعنى بتطبيق الدستور ومصلحة البلاد العليا. لم يفترض كاتب الدستور اللبناني – الساذج ربَّما – أن يعاني رئيس الجمهوريَّة من “أزمة صهر” مستفحلة يعطِّل لأجلها قيام حكومة البلاد.

يتصرَّف منظِّرو “إسقاط النظام الطائفي” وكأنَّ الأنظمة التشاركيَّة في العالم عبارة عن نموذج معلَّب، يقابلها أنظمة غير طائفيَّة تتشابه هي الأخرى. الواقع هو أنَّ التشاركيَّة السياسيَّة مسألة درجات، وليست مسألة مبدأ. كما أنَّها عبارة عن آليَّات معقَّدة تختلف جذريًّا بين دولةٍ وأخرى. تتراوح هذه الدرجات بين أنظمةٍ تشاركيَّة تسمَّى “أرثوذوكسيَّة” بسبب كثرة طائفيَّتها، كنظام الحكم في البوسنة، الذي يجمع بين فدراليَّة إثنيَّة للصرب من جهة، ونظام مركزي يحفظ حقوق الطوائف عبر انتخاب كلّ طائفة لممثِّليها في مجلس الشعب من جهةٍ أخرى؛ وبين أنظمةٍ تشاركيَّة تُسمَّى “ليبراليَّة”، كنظام شمال إيرلندا، الذي يسمح لكلِّ مجموعات البرلمان بالتمثيل الحكومي وفقًا لعدد نوَّابها، بغضِّ النظر عن حسابات الطوائف (ما يعني أنَّ الحزب المدني المُسمَّى “التحالف”، يُمثَّل عادةً بوزير). ما بين هذه وتلك، عشرات الدول التي تُعتبر تشاركيَّة، ومنها الدولتان اللتان يحلم اللبنانيُّون بالهجرة إليهما وفق استطلاعٍ أقامه الباحث الألماني ثيودور هانف، وهما: كندا وسويسرا.

في لبنان، لو اجتمع كلُّ الخبراء الدستوريُّون في العالم (ومعهم جهابذة إسقاط النظام الطائفي!)، واستوحوا من كلِّ هذه التجارب، وأقرُّوا التعديلات الدستوريَّة اللازمة، فإنَّ واقع الأزمة في لبنان لن يتقدَّم قيد أنملة. فلبنان ليس محكومًا بنظامٍ دستوري أصلًا كي يتمَّ تعديله أو تطويره. هذا لا يعفينا من مسؤوليَّة تطوير نظامنا الدستوري باتِّجاه أولويَّة المواطنة، وهنا وجبت الاستفادة من تجارب عشرات الدول المنقسمة طائفيًّا: إلغاء الرئاسات في سويسرا، فدراليَّة كندا، حكومات مشاركة منتظمة في شمال إيرلندا، حياد النمسا، إلخ.

ولكن قبل كلِّ ذلك، إنَّ دستور لبنان (المعتلّ) يضمن أصلًا تحقيق معظم المطالب التقدُّميَّة والليبراليَّة، من مجلس نوَّاب غير طائفي إلى تعيينات للموظَّفين خارج القيد الطائفي. لكنَّ الممارسة أكثر طائفيَّة بألف مرَّة من النصّ: الوطني الحرّ يريد حرَّاس الأحراش مناصفةً، أمل تريد وزارة الماليَّة من حصَّة الشيعة بشكلٍ أبدي، حزب الله لا يقبل بحكومةٍ ليس له فيها حقّ الفيتو (وإلَّا الحرب!)، والتقدُّمي الاشتراكي يريد من الآن رئاسة “مجلس الشيوخ” للدروز، حرصًا على التقدُّميَّة طبعًا. و”كلُّن يعني كلُّن” يفرضون أزلامهم في إدارات الدولة، دفاعًا عن “حقوق الطائفة”، ولو خلافًا للدستور. فما دخل “النظام” بكلِّ هذه الموبقات؟ طبِّقوه أوَّلًا، وإن كان ولا بدَّ لنا أن نسقط شيئًا، فلنسقط معادلة ميم-ميم.

How useful was this article?

Click on a star to rate it!

Average rating 3.9 / 5. Vote count: 90

No votes so far! Be the first to rate this article.

Instagram News

Follow Us

18,254FansLike
5,506FollowersFollow

Latest articles